المرأة السامرية

«ياسيد اعطني هذا الماء لكي لا أعطش...»

 

مقدمة

كانت الفتاة تقف على زاوية الطريق، وعيناها تدوران في كل اتجاه، كأنما تنتظر شخصًا قد تأخر عن موعده معها، وكانت ترقب بين الحين والآخر ساعة الميدان، وهي تتساءل لماذا تأخر، وقد اتفقا على الذهاب إلى مطعم فاخر لتناول العشاء، وبعدها يذهبان إلى مسرح لمشاهدة إحدى المسرحيات، ثم يتحولان إلى النادي ليبقيا هناك ساعات متأخرة من الليل في سهرة ممتعة ضاحكة، وبينما هي في موقفها طرق سمعها موسيقى آتية من مكان قريب تطلق لحنًا كانت قد سمعته حلواً وهي في حضن أمها صبية صغيرة، فاندفعت بالحنين القديم إلى مصدر الموسيقى، لتجد نفسها أمام باب مفتوح، وعلى جانبيه لافتتان واحدة كتب عليها «يسوع يخلص» والثانية «أين تقضي الأبدية» وكان اللحن القديم هو الترنيمة المعروفة «يارب أقرب فأقرب.. إليك أقرب وأرغب».. وإذ عادت بذكراها إلى الحياة الآثمة التي تحياها، وكيف يمكن أن تتخلص منها، سمعت الترنيمة الأخرى التي مطلعها: «كما أنا آتي إلى فادي الورى مستعجلا» وقال الواعظ فيما يقول: «في هذا المساء أنا أعرف أنه يوجد هنا خاطيء مريض بحب العالم، خاطيء يحتاج إلى مساعدة الصديق الحقيقي الرب يسوع، أجل يوجد شخص على شاطيء الهاوية، ويكاد ينزلق إليها، يوجد شخص قد ختم الشيطان قلبه ببصماته النارية، إنني أنادي هذا الشخص أن يسوع مستعد أن يطهر قلبه بنفسه، ولسيده ويترك بصماته اللطيفة عليه،.. وهو أن استطاع أن يسمع، يقرع على باب قلبه، فهل يفتح ويأتي قبل فوات الأوان، اهتزت الفتاة من الأعماق، وركعت بين يدي الله لتعترف بخطاياها، وتتحول تمامًا عن الطريق القديم، إلى الحياة الجديدة الأخرى، وقد أسعدها وأبهج قلبها عند الخروج من المكان، أن ترى صديقها القديم، وقد استبطأها عندما جاء ولم يجدها، فدخل ليعمل فيه المسيح بنفس التأثير، ويخرج إنسانًا آخر.. أجل أنها النعمة العظيمة القديمة التي تعمل في كل العصور والأجيال، وقد التقت بالسامرية الآثمة عند بئر سوخار لتحولها عن الطريق القديم، بالمحبة، والحكمة، وتقدم لها كأس الخلاص فياضة صافية حلوة مترعة مروية!! لقد دهش أكابر النقاد وعلى رأسهم كيم الناقد الألماني المتعنت، كيف أن المسيح يتحدث هنا بأرق الروحيات إلى امرأة غريقة في الإثم والأوحال... ولكن آه لو يعلم كيم وغير كيم، أن محبة المسيح بلا حدود، وأنها تنشد خلاص النفس البشرية مهما أوغلت في شرها وخطاياها، وتبذل كل الجهد في هذا السبيل، وها نحن أولا سنرى السامرية، وكيف تلقاها المسيح، بمحبته العجيبة، وحكمته القادرة، لتعدل عن طريقها القديمة، وتصبح كارزة بالخلاص، لأهل سوخار جميعًا، ومن ثمن سنراها فيما يلي: 

السامرية ومن هي

من هذه المرأة لا نعرف اسمها، وما بنا رغبة إلى معرفته فان للوحي أدبًا رفيقًا رقيقاً عزيزًا يجدر بنا أن نتعلمه ونترسمه!!.. إنه ما من امرأة أخطأت واقتربت من المسيح، إلا وغطى اسمها ودثر ماضيها، قل لي ما اسم المرأة التي جاءته في بيت سمعان الفريسي؟ ما اسم المرأة التي امسكها اليهود ليرجموها! ما اسم السامرية؟ قد يكن هن على أتم استعداد لذكر أسمائهن وتفصيل حياتهن، لكن المخلص دائمًا رقيق المشاعر، رفيقًا بالنفس التي تحس ذلة الماضي، إنه يسترها بظل يديه الحلوتين الرقيقتين العطوفتين، على أنه وأن فاتنا معرفة اسمها، فاننا نعلم أنها من مدينة سوخار والكلمة «سوخار» تعني الهاجعة أو السكرى، ولعلها بهذا الاسم تمثل إلى حد بعيد الحياة الخليعة الماضية التي كانت تحياها هذه المرأة، كما أنها كانت على الأغلب امرأة فقيرة فالاستقاء من الآبار أمر لم تكن تلجأ إليه إلا الفقيرات أو الخادمات أو الأجيرات أو الأماء، ويذهب بعضهم إلى أن هذه المرأة كانت تستقي لبعض الزراع في الحقول المجاورة، ويظن أيضَا أنها كانت على مسحة كبيرة من الجمال يسرت لها سبيل الاقتران بخمسة أزواج، والمعيشة مع رجل آخر غير شرعي، وهي أيضًا مقتدرة القول، قوية المنطق، لسنة الحديث، تحسن الحوار والتخلص والمداراة والمواجهة، وهذا يبدو جليًا في حديثها مع المسيح وأهل بلدتها، ولعل نوع الحياة التي عاشتها كان له أكبر الأثر وأوفاه في ذلك، كما أنها قوية الاعتداد بشعبها وجنسها، تفهم دقة العلاقات بين اليهود والسامريين، وموطن الخلاف بينهم، ومن حوارها مع المسيح نفهم أنها سامرية أصيلة، تشربت روح قومها في معاملتهم لليهود: «كيف تطلب مني لتشرب، وأنت رجل يهودي وأنا امرأة سامرية» «ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا...» «آباؤنا»، هذه عبارات نشتم من ورائها حدة التعصب الديني الذي عرف عند السامرين، التعصب الذي أغضب يومًا ما ابني زبدي حتى طلبا نارًا من السماء لتهلكهم،  غير أن ما يدهشنا في هذه المرأة هو اطلاعها الديني الواسع، الاطلاع الذي جعلها تسأل المسيح عن مكان العبادة الحقيقية أهو على جبل جرزيم جبل البركة أم في أورشليم. كما أنها بنيت له أنها تنتظر المسيا «أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء» وهنا لا يسع المرء إلا أن يقف متأملاً متألمًا حزيناً، امرأة تعرف كل هذا، وتنتظر كل هذا، ولكن هذا الانتظار وتلك المعرفة ما استطاعا أن يؤثرا ولو قليلاً في حياتها الآثمة الخليعة، حقًا إن المعرفة شيء، والانتفاع بها شيء آخر، فالشياطين يؤمنون ويقشعرون، ولكم حدث ممن ارتدوا ثوب الدين، وتمسحوا به، واتخذوا مركز الإمامة فيه، ما يندي له الجبين خجلاً، ويقشعر له الجسد رعبًا وهولاً، فالأثام والدموع والآلام والشقاء والدماء المنهمرة التي أريقت تحت ستره، تجعلنا  نفزع قائلين: « أيها الدين كم من الآثام ترتكب باسمك الجميل» كما نردد مع بولس: «فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل فإن كنت أفعل ما لست أريده فإني أصادق الناموس أنه حسن، فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيَّ»...

قديمًا صاح كنفوشيوس: «رجل الحكمة والفضيلة!! كيف أجرؤ على أن أحسب نفسي واحداً منهم، يمكن أن يقال عني، إني لا أتعب من تعليم الآخرين، ربما أعادل أحسنهم في معرفة الآداب، ولكني أقر أني فشلت في الوصول إلى خلق الإنسان السامي، الإنسان الذي يري في تصرفه الأمور التي يعلم بها.. وهذا ما يرعبني، أني لا أصل إلى مستوى الفضيلة الذي أرغبه، وأني لا أعيش تمامًا حسبما علمت، ولست قادرًا على السير في حياة البر وعمله في الوقت الذي أعرف فيه أن هذا هو البر، آه إني لا أستطيع عمل الخير، ولست قادراً على تغيير الشر في نفسي.. أنا لست الإنسان الذي ولد حكيمًا» هكذا عاشت السامرية حياتها الأولى تعرف، ولا تقر بتصرفاتها وحياتها، ما تعرف!!.

كيف عالجها المسيح!!؟

عالجها المسيح كما أسلفنا القول بمحبته وحكمته..

أولا عالجها بمحبته: وهل تقرأ قصتها دون أن تحس حرارة محبته وقوتها، كان اليهودي يحتقر المرأة ويمقتها إلى حد بعيد!!.. وكان عارا عليه أن يحييها في شارع أو مكان  عام، حتى ولو كانت أخته أو أمه أو زوجته أو تتصل به بأي سبب قوي.. بل كان يقول أحرق الشريعة ولا تعلمها لامرأة، وكان بين اليهود بعض من الفريسيين يدعون «الفريسيين الداميين» وهذا نسبة لأنهم كانوا يضربون رؤسهم حتى تدمي، في أقرب حائط، تكفيرًا لهم عن رؤية أية امرأة يتفق أن تقع أبصارهم عليها، ولهذا لا ندهش لتعجب التلاميذ حين رأوا المسيح يكلم هذه المرأة، ومما زاد عجبهم، أنها سامرية والعلاقة كما قلنا كانت شديدة التوتر بين اليهود  والسامريين، حتى أن اليهودي كان يتفادى السامرة في طريقه بين الجليل واليهودية، بعبور الأردن، إذ يسير على ضفته الشرقية ما يوازي عرض السامرة، ولكن هل يسير المسيح في طريق أنشائتها العداوة، وهل يخضع لتلك العواطف البغيضة التي تذهب بأجمل ما في الإنسان من آداب وخلق وسمو وإنسانية!! كلا أن الواضع العظيم لمثل السامري الصالح من المحال أن يتدانى أو ينزل إلى هذا المستوى الضعيف القاصر الذي هبط إليه البشر، بل أني أؤمن إيمانًا لا يتطرق إليه الشك أو الوهن أو الضعف أن السيد تعمد اختيار طريقه في قلب السامرة ليسمو بالشعور الإنساني، ويطهر طريق الإنسان من تلك النزعة الوضيعة الآثمة التي تعصف بالإخاء البشري عصفًا محزنًا مروعًا.. بل لا أعدو الحق إذا قلت أنه ذاهب إلى هناك لأن برنامج عنايته الدقيق كان أن يلتقي بالسامرية عند بئر يعقوب.

وما أظن إلا أن منظرها أثار شفقته وعطفه، هذه امرأة فقيرة تعسة عطشى جاءت إلى البئر لتستقي، ولكنها كانت في الواقع أكثر عطشًا إلى ما هو أوفر ريا من مياه بئر يعقوب، كانت نفسها مادئة ظامئة ملتهبة تريد أن تشرب وترتوي من كأس الملذات والمسرات والمباهج والشهوة التي أغرقت نفسها فيها إغراقًا، ولكن انتقالها في أثمها من رجل إلى رجل كان إعلانًا قويًا عن الإفلاس الذي كابدته، والظمأ المحرق الذي انتهت إليه، هي صورة صادقة للنفس البشرية تشرب من مياه العالم، وتحس في النهاية أن هذه المياة أشبه الكل بالمياه المالحة تزيد من يتجرعها ظمأ على ظمأ،.. لقد صور أوغسطينوس هذه الحقيقة في كتابه العظيم «اعترافات أوغسطينوس» وقد كان هذا الرجل ذا طبيعة عميقة التفكير، أجاجة العاطفة، شديدة الإحساس، وقد قضى فجر شبابه مستهترًا ماجنا يرتاد أماكن الأثم والفجور والخلاعة، حتى ضجت قرطاجنة بالشاب الماجن الفاسد، كان يبحث عن السعادة ولما لم يجدها في «الشهوة» صرف عنها وتحول إلى «الصداقة» آملاً أن يجد في العلاقة بالمجتمع بعض راحته واستقراره، غير أنه صدم بوفاة أعز «صديق» له، الصديق الذي قال: «لقد عجبت كيف ظل الناس أحياء بعد وفاة من أحببت، بل كيف بقيت أنا أحيا، وقد كان هذا الصديق نفسي  الثانية»... وإذا لم يجد في الشهوة أو الصداقة شبعه تحول إلى «العلم» آملا أن يجد راحته هناك، فانصب في الدراسات العلمية والفلسفية آملا أن يجد في أفلاطون وأرسطو، ما يستشعر من حزن وأسى وارتباك، ولكن العلم لم يزده إلا إحساساً أعمق باليأس والتعاسة والبؤس والشقاء، وفي عام 386 وفي حديقة من حدائق ميلان، سمع صوت صبي يقول افتح واقرأ، وأسرع إلى الكتاب المقدس ليجد الكلمات التي جاءت به إلى المسيح: «قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور لنسلك بلياقة كما في النهار لا بالبطر والسكر لا بالمضاجع والعهر لا بالخصام والحسد، بل البسوا الرب يسوع ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات»... وكانت هذه الكلمات هي المحول العظيم للرجل الذي ارتوى من المسيح إلى الدرجة التي قال له فيها عبارته المشهورة: «يؤلمنني أنني أحببتك متأخرًا أيها الجميل القديم الأيام».. أجل وهل هناك ما يروي في هذه الأرض كما يروي المسيح الصادق الأمين في قوله: «الذي يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية»...

ثانيًا: عالجها بحكمته... ولم يكن المسيح محبًا للسامرية فحسب، بل كان حكيمًا جدًا معها، ومع أنه كان يعلم كل ماضيها، إلا أنه لم يشر على الإطلاق، في استهلال الحديث معها إلى ما يشتم منه إدراكه لهذا الماضي، ذلك لأنه لا يريد أن يجابه فيها لأول مرة غريزة الدفاع عن النفس، ولأنه يعلم أن الحياء البشري قد ينقلب عنادًا إذا أصررنا على مبادأته بالهجوم والتحدي، على أن ذلك لا يعني إهماله. أن يضع أصبعه على موطن الداء، لقد فعل، ولكن بعد أن اكتسب سمعها وشعورها، لقد أثار المسيح في السامرية أموراً ثلاثة:

1- أثار ذاتيهتا وكيانها: هي امرأة فقيرة ضعيفة، تعودت دائمًا أن تؤمر فتطيع، وقد أضحت في نظر الناس من سقط المتاع، ولكن هو لما جاءها أشعرها بكيانها وذاتيتها حين طلب منها ليشرب، وكأنما يقول لها إنه  وهو متعب محتاج عطشان يلتمس معونتها إذا تكرمت وتلطفت بهذه المعونة، وبذلك رفع شخصيتها التي وطأتها الأقدام، وأعان نفسها الذليلة على الانتصاب والوقوف إنه لم ينظر إليها من عل باحتقار كما تعودنا نحن كثيرًا أن ننظر بروح الكبرياء إلى الضعفاء والمساكين والساقطين والبؤساء،.. إن الشيء الكثير من دراسات وليم جيمس الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي الكبير ينصب على أن أفضل ما يؤثر في الإنسان هو احترامك وتقديرك لشخصيته، ويبين أن كل إنسان به جوع إلى اعتراف الآخرين بذاتيته واحترامها، وقد يتظاهر كثيرون باحترام غيرهم تحت دوافع التملق والرياء والمصانعة والمداهنة، ولكن المسيح وحده عرف قيمة النفس البشرية، فذكرها واحترمها ومات من أجلها، ومهما بدت أمامه هذه النفس في ثوب الفقر أو الغنى، أو القوة أو الضعف، أو الذكاء أو البساطة، أو الاتساع أو الضيق، فهي عزيزة كريمة رائعة في عيني من أبرأها وافتداها، ولذا لا عجب أن يري المسيح في السامرية الشخصية التي لها عنده كل تقدير واهتمام وعطف!!.

2- أثار دهشتها وتعجبها: أنها لم تعجب منه فقط لأنه وهو يهودي طلب منها ليشرب، لكنها ذهلت ودهشت لأن المحتاج يستطيع أن يعطي، فلئن قدمت له ماء يروي إلى ساعات، فانه يستطيع أن يقدم لها ماء من يشرب منه لا يعطش إلى الأبد، لقد بين لها أن حاجته في الواقع إليها أن هي إلا امتياز يضيفه عليها، وأن سؤاله لها إن هو إلا تفضل من محبته أكثر منه من العوز إلى معونتها، على أنها عجبت له أكثر حين رأته ينفذ بعينيه القويتين الحادتين إلى ما وراء الستار، فيكشف لها ماضيها وحاضرها، كشفا دقيقًا رفيقًَا معا!. إن القصة أمامنا ترينا أن إعجابها به كان دائماً في صعود، ألم تره إنساناً، فنبياً، فالمسيا، ولقد برز إعجابها واضحًا جليا حين نسيت المقصد الأول الذي جاءت من أجله، إذ تركت جرتها عند البئر لتنادي أهل بلدتها وشعبها لرؤية هذا الشخص العجيب.

هل نستطيع أن نوقظ في الخاطيء والشرير مثل هذا الانتباه والإعجاب، هل نستطيع أن نثير فكره وشعوره وعاطفته، إن استطعنا لا أقول عبثًا أننا في الطريق إلى جذبه واكتسابه.

3- أثار ضعفها وحاجتها: عندما طلبت منه المعونة والري، وضع يده برفق على نقطة ضعفها، وكامرأة ضعيفة حاولت أن تتهرب بالقول: «أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا» وقد كان المسيح كريمًا إذ سار معها في هروبها، ولم يقفها طويلاً أمام ذلتها وخطيتها بعد أن أحست بها، على أنها لدهشتها، نقلها دون أن تدري، من خطيتها إلى الله بالقول: «لأن الأب طالب مثل هؤلاء الساجدين له».. وأمام الله حاولت لآخر مرة أن تتراجع بتأجيلها كل شيء حتى يأتي المسيا، على أنه أوصد أمامها سبيل الهرب والإفلات بالقول: «أنا الذي أكلمك هو» ... ليتنا نتعلم هذه الحكمة العجيبة حتى ينطبق علينا القول: «لأن رابح النفوس حكيم». 

ما مظهر توبتها؟

مظهر توبتها ثنائي.. الاعتراف، والشهادة.. أما الاعتراف فقد برز في قولها: «قال لي كل ما فعلت»... أنها لا تخشى أن تتحدث بماضيها، وهذا هو الأمر الأول الحقيقي لكل توبة، بل البرهان الأكيد على صدقها: «إليك وحدك أخطأت» هذه صيحة الندم التي أوقعها داود لحنًا في المزمور الحادي والخمسين... «لأني بعد رجوعي ندمت وبعد تعلمي صفقت على فخذي. خزيت وخجلت لأني حملت عار صباي».. هذا نشيج افرايم المنتحب على ماضيه الآثم... «أخطأت إلى السماء وقدامك» هذا صوت الابن الضال بعد أن رجع إلى نفسه... «صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا» هذا قول الرسول بولس الذي بلغ أعلى مراتب القداسة بين البشر.  

أما الجانب الثاني في توبتها فهو الشهادة. لقد تركت جرتها وذهبت لتنادي بالمسيج ولعل أزواجها الأولين والشخص الذي كان يعيش معه بعض من خرجوا في ذلك اليوم من مدينة سوخار ليروا هذا الشخص العجيب الذي حدثتهم عنه، لقد اختبرته هي فأرادت لغيرها أن يختبروه، وارتوت منه فأرادت ألا تحرم العطاش من ينابيع خلاصه، وليس هنا شخص رأى المسيح وارتوى من المسيح، دون أن يرى هذا الامتياز دينا وضرورة وأمراً تلزمه أن يسعى وراء الآخرين ليبشرهم بالمسيح.  

كانت مدينة سوخار المدينة الهاجعة السكري المترنحة بضعفها وشرها وإثمها ونقصها وقصورها، فمر بها المسيح فأنهضها وأفاقها وأقامها للحياة الحرة السامية المجيدة، وفي طليعة من نهضوا وقاموا وأفاقوا هذه المرأة التي تقف دائماً في التاريخ تحدثنا عن المسيح المحب، والمسيح الحكيم.