9 - أنبا زكريا

 

سيرته وتعاليمه

كيف صار شبه الملائكة: " طهارة الحقيقية "

رهبته :

       كان لرجل اسمه قاريون ولد صغير اسمه زكريا ، هذا اتى الى الاسقيط وترهب به ومعه ابنه. وقد ربى ابنه هناك وعلمه بما ينبغى. وكان الصبى جميل الخلقة وحسن الصورة جداً. فلما شب حدث بسببه تذمر  بين الرهبان ، فلما سمع الوالد بذلك قال لابنه: يا زكريا هيا بنا نمضى من هاهنا لان الاباء قد تذمروا بسببك ، فأجاب الصبى أباه قائلاً: يا أبى ان الكل هاهنا يعرفون انى ابنك ولكن ان مضينا الى مكان اخر ، فلن يقولوا انى ابنك ، فقال الوالد : هيا بنا يا بانى نمضى الان فان الاباء يتذمرون بسببنا.

       وفعلا قاما ومضيا الى الصعيد ، واقاما فى قلاية ، فحدث سجس كذلك ، فقام الاثنان ومضيا الى الاسقيط ثانية ، فلما اقاما اياما عاد السجس عينه فى أمر الصبى.

       لما رأى زكريا ذلك مضى الى غدير معدنى ( كبريتى ) وخلع ملابسه وغطس فى ذلك الماء حتى انفه ، واقام غاطساً عدة ساعات منفخاً ، فتشوه وتغيرت ملامحه ، فلما لبس ثيابه وجاء الى والده لم يتعرف عليه الا بصعوبة.

       حدث ان مضى بعد ذلك الى الكنيسة لتناول الاسرار فعرفه القس ايسيذورس وعندما رآه هكذا تعجب مما فلعه وقال:

       ان زكريا الصبى جاء فى الاحد الماضى وتقرب على انه انسان. اما الان فقد صار شبه ملاك.

المرشد الروحى:

       ودفعه عندما كان اتنبا زكريا ساكناً فى الاسقيط ظهرت له رؤية من الله. فنهض وجاء الى ابيه ، انبا فاريون ، وكان الشيخ كاملاً ، ولم يأل جهداً  فى أن يفاخر بهذه الامور بل نهض وضربه قائلاً : " هذه الرؤية من الشياطين ". وعندما فكر فى الامر قام ومضى ليلاً الى انبا بيمين ، واعلمه بالأمر ، وكيف كانت أفكاره تلتهب فى قلبه. فعلم الشيخ أن الأمر هو من الله ، وقال له : " امض إلى ذاك الشيخ. وافعل كل ما يوصيك به". ولما مضى إلى ذاك الشيخ ، وقبل أن يخاطبه بشئ ، قال له الشيخ : " ان الرؤية من الله ، ولكن امض واخضع إلى أبيك".

فضائله

اتزان عقله وسكونه:

       قال انبا قاريون : انى بذلت أتعابا كثيرة بجسدى لكنى لم اصل إلى رتبة ابنى زكريا فى اتزان العقل والسكون.

تعاليمه

ما هو الراهب الحقيقى :

       سأل الأب مقاريوس الكبير مرة زكريا وهو مازال فى حداثة سنه قائلا: قل لى : " يا زكريا ما هو الراهب الحقيقى؟ ".

       قال له زكريا : يا أبى أتسألنى أنا؟! قال له الشيخ : نعم يا ابنى زكريا ، فان نفسى متيقنة بالروح القدس الذى فيك ، ان شيئاً ينقصنى يلزم ان أسالك عنه.

       فقال له الشاب: " ان الراهب هو ذلك الإنسان الذى يرذل نفسه ويجهد ذاته فى كل الأمور "

كيف يخلص الراهب:

       قيل : أتى أنبا موسى مرة ليستقى ماء فوجد أنبا زكريا على البئر يصلى وكان ممتلئاً من روح الله. فقال له : يا أبتاه قل لى ماذا أصنع لأخلص ، فما أن سمع الحديث حتى انطرح بوجهه عند رجليه وقال له : يا ابى لا تسألنى أنا. قال أنبا موسى : صدقنى يا ابنى زكريا أن أبصرت روح الله حالاً عليك ولذلك وجدت نفسى موقاً من نعمة الله أن أسألك لتناول زكريا قلنسوته ووضعها عند رجليه وداسها ، ثم رفعها ووضعها فوق رأسه وقال : ان لم يصر الراهب هكذا منسحقاً فلن يخلص.

السكوت :

       لما حضرت أنبا زكريا الوفاة سأله أنبا موسى قائلاًُ : أى الفضائل أعظم يا ابنى. فأجابه على ما أراه يا أبتاه، ليس شئ أفضل من السكوت ، فقال له : حقاً يا ابنى بالصواب تكلمت.

نياحته :

       فى وقت خروج روحه كان أنبا ايسيذروس القس جالساً فنظر إلى السماء وقال : اخرج يا ابنى زكريا فان أبواب ملكوت السموات قد فتحت لك.


 عودة إلى فهرس الكتاب